التاريخ المعاصر، ورئيس اتحاد الكتاب التونسيين بمدنين. درّس بالمعاهد الثانوية لفترة طويلة الى جانب خطط إدارية (مدير مؤسسة تربوية). درّس بالتعليم العالي بالمعهد العالي للعلوم الإنسانية بمدنين ثم المعهد العالي للفنون والحرف بتطاوين- جامعة قابس. اصدر أربعة مؤلفات تعلّقت بالتعليم والشأن التربوي بتونس خلال الفترة الاستعمارية وبداية الاستقلال.
ونشر عدّة مقالات في مجلاّت محكّمة في تونس وخارجها وشارك في عدّة ملتقيات علمية في الجزائر والمغرب وتونس. كان لنا معه هذا اللّقاء....
- ما هي مسيرتك الأكاديمية؟
تحصّلت على البكالوريا (آداب) سنة 1989، ونلت الأستاذية في التاريخ، التحقت بالتّدريس. انجزت بحثا حول «خط مارث العسكري». نلت الماجستير سنة 2006 ببحت عن «المدرسة الفرنكو-عربية بأقصى الجنوب الشرقي (1885-1955)» ، ثم الدكتوراه بأطروحة: «الفرع الزيتوني بمدنين 1947–1962».
- ما هو دور الدكتور الفتحي ليسير في مسيرتك؟
كان له أثر بالغ في تشكيل شغفي بالتاريخ منذ المرحلة الثانوية بغزارة معارفه وطريقته. رافقني مشرفاً ومؤطّراً لجميع بحوثي الأكاديمية من الإجازة إلى الدكتوراه، وقدّم كتابي الثالث. تأثرت بأسلوبه المشوق الشغوف بالتاريخ الهامشي، وبصرامته المهنية وتواضعه.
- في أغلب كتبك تناولت مواضيع مرتبطة بتاريخ التربية والتّعليم زمن الاستعمار. ما هي دوافع هذا الاختيار وما هي النّتائج التي توصلت إليها؟
تمثّلت دوافع الاختيار في الإيمان بأنّ التّاريخ التّعليمي مفتاح فهم التّحولات الاجتماعية والثّقافية، وتفكيك تفاعل المؤسّسة مع محيطها المحلّي والسّياسي وتتبّع أدوار النّخب والهوامش .وتوصّلنا إلى جملة من النّتائج أبرزها: إثبات ديناميكية الجنوب الشّرقي كفضاء يتفاعل مع المشاريع التّعليمية وينتج نخبه. وإعادة الاعتبار للنّخب المحلّية (المشايخ والمعلّمين) عبر المنهج البروسبوغرافي. وتجاوز القراءة الأحادية وإبراز المدرسة كمجال للتّدافع وبناء الهويات والرّأسمال الثّقافي.
- ما هي المشاكل البنيوية التي تعاني منها المدرسة التونسية اليوم؟ وما موقفك من التّعليم الخاص؟
تعاني أزمة بنيوية حادّة تتجاوز الإمكانيات المادّية إلى وظيفتها الاجتماعية: فقدان دور المصعد الاجتماعي، تعميق الفوارق الطّبقية والجهوية، وتحوّل التّعليم إلى سلعة مع صعود التّعليم الخاص والدّروس الخصوصية. إلى جانب التخشّب المؤسساتي وتدهور البنية التّحتية، وتصاعد النّزيف المدرسي والانقطاع المبكّر.إضافة إلى أزمة المناهج والتكوين وجمود البرامج، الاعتماد على التّلقين، اضطراب الزّمن المدرسي، هشاشة تشغيل المدرّسين (النّواب)، وتراجع سلطتهم الرّمزية.
- ما هو تاريخ الإصلاحات التّربوية في تونس؟ وهل نحتاج إلى إصلاح جديد؟ ما هي شروطه؟
من ابرز المحطات التاريخية: إصلاح 1958 (توحيد التّعليم وتونسته ومجّانيته)، إصلاح 1991 (إقرار التّعليم الأساسي 9 سنوات وإجباريته وتحديثه)، وإصلاح 2002 (قانون «مدرسة الغد» والمقاربة بالكفايات). ونحتاج إلى إصلاح جديد وبشكل عاجل لمعالجة الأزمة البنيوية الشّاملة وفقدان الوظيفة الاجتماعية. وتتمثّل شروطه في: عقد تربوي مجتمعي جامع، إعادة هيكلة الميزانية للاستثمار في التّجهيزات والتّكنولوجيا، إنهاء التّشغيل الهشّ للمدرّسين، تحديث المناهج بمهارات القرن الـ21، مراجعة نظام التّقييم، وتحقيق التّمييز الإيجابي للمناطق الهامشية.
- لديك خبرة واسعة في مجال التّعليم تدريساً وتأليفاً وإشرافاً على مشاريع التّخرّج وقلت إن المتخرجين الجدد على درجة من الكفاءة وسيغيرون صورة المدرسة. كيف ذلك؟
ساهمتُ في تكوين 7 دفعات بشعبة التّربية والتّعليم (أساتذة الابتدائي). تلقّى هؤلاء تكويناً أكاديمياً وبيداغوجياً عالياً يجمع بين تعليمية المواد، تحليل الممارسات المهنية (APP)، التّدريب الميداني، وإنجاز البحوث التّطبيقية، ممّا يُنتج متخصّصين قادرين على تطوير مرحلة التّعليم الابتدائي التي تشكّل قاعدة المنظومة.
تطمح إلى إنشاء مركز دراسات تاريخية في مدنين، ما هي الأسباب؟ وما هي النتائج التي يمكن أن يحققها هذا المركز؟
الأسباب: استثمار فترة ما بعد التّقاعد لمواصلة شغف البحث، وتثمين رصيد أرشيفي ضخم جمعته يضم أكثر من 7000 وثيقة فرنسية مرقمنة، و11,000 ورقة من أرشيف الفرع الزيتوني، ومثلها يخص أرشيف المدارس العصرية إضافة لأرشيف العائلات.
- لديك إبداعات قصصية، لماذا يتّجه رجل التّاريخ إلى الأدب؟ ما العلاقة بين السّرد والتّاريخ؟
الاتجاه الى الأدب كان لاستكمال المسكوت عنه في الوثيقة الأرشيفية الصّامتة عن المشاعر والهواجس؛ فالأدب يمنح حرية «التّخييل التّاريخي « والتّكثيف الرمزي . والعلاقة تكاملية مبنية على البناء السّردي (وفق بول ريكور)؛ التاريخ يوفر المادة الواقعية والأدب يوفر التّخييل، وكلاهما يستعيد الذّاكرة الشّفهية (كاستغلال الشّعر الشّعبي كوثيقة تاريخية).
- تشارك في الأيام المقبلة في ملتقى بمدينة فاس ما هو محور الاهتمام؟ وما سر رغبتك في الإقامة في مدينة فاس؟
اشارك بورقة علمية بدورة «أخلاقيات الطب» حول تقاطع التّعليم والاستراتيجية الطبية الاستعمارية بالجنوب التونسي (1885-1955)، وكيف قُيّدت الأجساد عبر «المدرسة الفرنكو-عربية» دون موافقة مستنيرة، وتطور موقف المجتمع من الرّفض إلى التّكيف. أمّا عن سر الرغبة بالإقامة بفاس، فان الرّوابط التّاريخية والثّقافية بين إفريقية والمغرب (تأسيس فاطمة الفهرية للقرويين، الجذور النسبية لقبائل الجنوب)، ورغبتي في إجراء بحث مقارن بين مؤسّستي الزيتونة والقرويين وفروعهما.
حوار: سعيد بوالشنب